محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

66

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

المُعَلَّ ، فيكون هذا الحديثُ عنده من المُعَلِّ الذي لم يَصِحَّ لهذه العِلة ، وهي شِدَةُ الاختلاف في سنده ومتنه . فالعجَبُ ممن لا يعرِفُ الرِّجال ، ولا هذا الشأنَ ؛ كيف صَحَّحَ هذا الحديثَ تحكماً من غير معرفة ، ونسب الاختلافَ إلى أبي هُريرة في إسنادِ الحديث إلى الفضلِ بن العباس ، أو إلى أسامة بنِ زيد ، ونسب سائرَ الاختلاف الذي في هذا الحديثِ إلى غير أبي هُريرة من الرُّواة ، وأبو هريرة أعقلُ من أن يقولَ ذلك على كل تقدير ؟ ! فإن الصادق يَثْبُتُ على صدقه ، والكاذب يخاف التُّهمة من إكذابه لنفسه بتناقضِ رواياته ، ولو كان هو المُتَلوِّنَ في ذلك ، لذكره مروانُ ، وعابه عليه ، فقد كان مروانُ شديدَ الحرص على تقريع أبي هُريرة في ذلك ، كما هو بَيِّنٌ في متن الحديث ، فإنه اقسم على عبد الرحمان : لَيُقَرِّعَنَّ أبا هريرة بذلك ( 1 ) . الوجه الثالث : أن أبا هريرة إِنما روى الحديثَ الذي احتجَّ بهِ في الابتداء مرسلاً ، ثم بينَ الواسطة بعدُ ، وبَيَّنَ أنَّه الفضل بن العباس ، لأن عادةَ كثيرٍ من أهل العلمِ خصوصاً أهلَ ذلك العصر هي الإرسالُ حتى يَعْرِضَ سَبَبٌ يُوجِبُ الإسنادَ . فمن ذلك أن يكون الراوي غيرَ شاكٍّ في صِحة ما عنده ، لأنَّه لا يَعْرِفُ معارِضَاً ، فحين يَعْرِفُ ما يُعَارِضُ روايتَه يقوى الدَّاعي إلى بيان مستنَدِه ، وكذلك فعل الحَبْرُ عَبْد الله بنُ العباس رضي الله عنهما حين كان يُفتي أنَّه " لا رِبَا إلا في النَّسِيئَةٍ " ، فلما أُخْبِرَ بتحريم الربا في الصَّرْفِ ، قال : أخبرني بذلك أسامة بن زيد ( 2 ) .

--> ( 1 ) كما في رواية البخاري ( 1926 ) . ( 2 ) الحديث في " صحيح مسلم " ( 1596 ) في المساقاة : باب بيع الطعام مثلاً بمثل ، وانظر " شرح السنة " 8 / 60 - 61 .